اللامعقول في أزمة الزعامات في العراق!

0
531

ورقة

 

كتب /  د. ناجح العبيدي …

وصلت الفوضى “اللاخلاقة” التي تعيشها العملية السياسية في العراق الى أوجها بعد الاعلان المفاجئ عن “إقالة” رئيس مجلس النواب سليم الجبوري في خطوة وصفت بانتفاضة البرلمان. ورغم محاولة لملمة الموضوع إلا أن التطورات اللاحقة أثبت بأن هذه الخطوة غير المدروسة ما هي إلا فصل جديد من فصول المسرحية العبثية التي يمر بها العراق والتي تنذر بذهاب النظام السياسي الى نهاية تراجيدية. أبطال هذه المسرحية كثيرون ولكن خبراتهم في الأداء متباينة. بعضهم هاو ويلعب دوره بحسن نية ، بينما يملك آخرون، ومنهم مثلا مشعان الجبوري، باعا طويلا في فن التمثيل بغض النظر إن كانت الأدوار شريرة أو خيرة. ولا بأس أن يلعب الآن دور منقذ البلاد، طالما أنه لا يوجد حاليا من يملك الرؤية والقدرة والهمة على إخراج العراق من النفق النظلم.

أما مخرج المسرحية فلا يريد الكشف عن هويته ولكنه يحاول ضبط الإيقاع من وراء الكواليس وتعديل النص بهدف الوصول الى النهاية المرجوة، فيما يكتفي آخرون بالتفرج، خاصة وأن المسرحية توحي بمفاجآت لا يمكن حسابها. وخلف الستار أيضا هناك من يحاول الامساك بخيوط اللعبة ويتصور أنها يجيد تحريك الدمى التي تظهر على المسرح.

أما الأبطال الرسميون وفي مقدمتهم الرؤساء الثلاثة فيكتفون بلعب دور الكومبارس. فمرة أخرى يوجه الفرسان الثلاثة، رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة كلمات الى الشعب كرروا فيها تعهداتهم بالمضي قدما في الاصلاح والتغيير وإلغاء نظام المحاصصة والدعوة لرص الصفوف للخروج من الأزمة. ولكن أحد أهم أسباب هذه الأزمة يكمن في ضعف هؤلاء “الرؤساء” وعجزهم الفعلي عن البدء بإجراءات عملية للخروج من الطريق المسدود الذي وصلت اليه العملية السياسية. فهم جميعا صعدوا الى مناصبهم نتيجة تسويات ومساومات أملاها نظام المحاصصة.

فأهم ما يتميز به رئيس الجمهورية فؤاد معصوم هو أنه من حزب الرئيس السابق جلال الطالباني ولم يبدِ في السابق لا الحنكة ولا الخبرة ولا الدهاء الذي يمكن أن يؤهله لأعلى منصب سيادي في الدولة. ويبدو أن ما رجح اختياره لذلك هو قناعة عرابي العملية السياسية وفي مقدمتهم رؤوساء الكتل المتنفذة بأنه لن يشكل عائقا جديا بوجه الاتفاقات والمساومات حول تقاسم النفوذ والامتيازات التي تُعقد خلف الكواليس. ومن دون فإن حالة الانقسام في المعسكر الكردي لا تساهم في دعم موقفه.

في المقابل وجد رئيس مجلس النواب سليم الجبوري نفسه فجأة في فوهة المدفع. فبدلا من التصويت على إعادة تشكيل الحكومة صوت عدد كبير من النواب على إقالته في جلسة مثيرة للجدل. ويشير ذلك بوضوح الى ضعف موقف رئيس البرلمان وعجزه عن إدارة السلطة التشريعة في ظل الأزمة المحتدمة. كما لا يمكن القول بإنه الشخصية الأقوى في اتحاد القوى “السنية”.

أما الظروف التي جاءت بحيدر العبادي الى سدة رئاسة الورزاء ، فمعروفة للجميع وكانت أشبه بمسرحية هزلية. ففي انتخابات عام 2014 حصل العبادي على 5 آلاف صوت فقط ، بينما حاز رئيسه السابق وغريمه الحالي نوري المالكي على ثقة أكثر من 720 ألف ناخب. ولكن احتراق أوراق المالكي ودخوله في عداء مع عدة أطراف محلية واقليمية دفعت للبحث عن بديل. وبفضل المؤامرة التي حاكها عرابو العملية السياسية تم دون سابق إنذار دفع العبادي لاعتلاء خشبة المسرح وتولي أهم منصب تنفيذي في العراق. ويبدو أن مخرجي تلك المسرحية فضلوا العبادي، ليس لكفائته وقوة شخصيته ولصفاته القيادية، بل لقناعتهم بأن العبادي سيبقى مدينا لهم بتربعه على “عرش” العراق المهتز. وهذا ما يفسر تلكؤ العبادي حتى الآن في تنفيذ تعهداته بالاصلاح وعجزه عن فرض تصوارته على قادة الكتل. بل ويخشى العبادي حتى من الدسائس التي يحيكها رفاقه في ائتلاف دولة القانون.

وهكذا يبقى العراق يفتقد الى الشخصية القيادية التي تحوز على ثقة العراقيين بكل انتمائاتهم القومية والدينية والمذهبية والمناطقية وتقدر بالفعل على تمثيل مصالحهم بعيدا عن نظام المحاصصة. وهنا يكمن أحد أهم مكامن الضعف في العملية السياسية التي بدأت بعد نيسان 2003 والتي وصلت الى طريق مسدود وحان الوقت للبحث عن بديل لها.

بالطبع لا يوجد في العراق حل سريع ولا توجد وصفة سحرية للخروج من النفق المظلم واي ترويج لذلك هو محاولة مستترة لإعادة الاعتبار للديكتاتورية في ثوب جديد. ويبدو أن مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري يحاول من خلال تزعم الحراك الشعبي أن يلعب دور بطل المسرحية القادمة. وإذا ما قدر لها أن تعرض في الموسم القادم فإن النهاية ستكون مأساوية بالمعنى الحقيقي للكلمة. فأي دعوة للرجل القوى ذي القبضة الحديدية لإنهاء حالة الفوضى ستكون بمثابة انتكاسة خطيرة وإعادة لعجلة التاريخ الى الوراء.

ومن هنا فإن إيقاف مسلسل التراجع ضمن الاطر الدستورية لن يتحقق إلا بالجوء الى أحد خيارين، إما تشكيل حكومة أغلبية أوالانتقال من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي. وبموجب الخيار الثاني يتم تركيز الصلاحيات التنفيذية بيد رئيس الجمهورية بدلا من رئيس الوزراء. فالانتخاب المباشر للرئيس من قبل الشعب يمكن أن يمنحه السلطة الفعلية والمعنوية لممارسة صلاحياته دون أن يُضطر للدخول في مساومات غير مبدئية مع رؤساء الكتل. ولكن هذا الانتقال غير ممكن دون إجراء تعديل جذري في الدستور، وهي مهمة شبه مستحيلة في ظل توازن القوى الحالي. وهكذا سيُضطر العراقيون لمواصلة التفرج على فصول جديدة في هذه المسرحية العبثية التي توشك أن تصبح تراجيدية

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here