موارد العراق المائية ليست معروضة في المزاد

0
457

ورقة وقلم

 

كتب /  د. حسن الجنابي …

لم ارغب باثارة هذه القضية لان صاحب الفكرة كان يسوّقها شفاها ولم اشعر بضرورة تفنيدها، اما الآن وقد نشر السيد عزام علوش ارءه الخطيرة هذه في مركز دراسات امريكي يباركه الكونغرس الامريكي[1]، فلا بد من موقف معلن باعتباري مواطنا عراقيا اولا ومختصا بالموارد المائية ثانيا.

 

في مقاله يقترح السيد علوش مايعتبره حلاً لمشكلة سد الموصل، لكنه حل فيه استهانة واستخفافا مدهشين بالمصلحة الوطنية العراقية ولا ينم عن ادنى شعور بالمسؤولية. يتضمن حل السيد علوش تأليبا للرأي العام الدولي (الامريكي خاصة) ولوكالات الامم المتحدة ضد الموقف الرسمي العراقي. الموقف العراقي الرسمي المعارض لأنشاء سد “اليسو” التركي على نهر دجلة، وهو موقف يستحق الدعم لانه موقف صحيح ومسؤول وحريص على سيادة البلاد وينسجم مع القوانين الدولية في معارضته لانشاء سد يؤثر على العراق.

 

ويتلخص مقترح السيد علوش بأن تقوم الحكومة العراقية بدفع الاموال العراقية الى تركيا بغرض استكمال سيطرتها على مياه دجلة، الاموال التي يقترح سيد عزام علوش ان تدفعها الحكومة العراقية الى الجارة تركيا، هي الاموال المخصصة لصيانة سد الموصل، او ما يمكن تخصيصه بغرض المعالجة الدائمة لاسس سد الموصل عن طريق انشاء الجدار القاطع (بحدود ثلاثة مليارات دولار حسب التقديرات).

 

هذا يعني الغاء سد الموصل تماما وسيقوم العراق بعد ذلك بدفع اجور تخزين المياه في سد اليسو، ملمحا من باب التشجيع الى ان التبخر من سطح البحيرة التي سيكونها سد اليسو اقل من التبخر من بحيرة سد الموصل.

 

كما يدعو المقترح منظمة اليونسكو لدفع اموال اضافية لتركيا للحفاظ على مواقع اثرية في المنطقة التي ستغمرها مياه سد اليسو (منطقة حسن كييف) الاثرية. كما يدعو المقترح الولايات المتحدة الى تقديم الدعم المالي كذلك لتركيا. وبالتالي يدعو المقترح العراق الى شراء الطاقة الكهرومائية التي تولدها تركيا من سد اليسو.

 

المقترح يشير الى ان دفع الاموال العراقية الى تركيا لاستكمال السيطرة على مياه دجلة، بدلا من تخصيصها لصيانة سد الموصل وتعزيز سلامته، سيكون نافعا للاهوار العراقية و يعتقد السيد عزام علوش ان دفع العراق للاموال بهذه الطريقة سيحقق احلال السلام والتعاون في المنطقة.

 

ويقول الدكتور الجنابي ردا على مقترحات علوش :

 

١- ان ما يزعجني ليس استحالة تطبيق المقترح (فنيا وسياسيا) بل الاستهانة الفاضحة بالمصالح الوطنية، وليس بيعها فقط، لان البائع يستلم عائدات، اما المقترح فيدعو الحكومة العراقية الى دفع امول مقابل التخلي عن السيادة والمياه، ثم استجداء المياه من الجارة تركيا وفق الحاجة، ولا اريد الخوض في تعقيدات العلاقة الثنائية والجيوبوليتك الاقليمي وغير ذلك.

 

2- ان سد اليسو على وشك الاكتمال والدخول في طور التشغيل دون الحاجة الى اموال عراقية اضافية (خطط الاتراك لاكمال انشاءه في عام 2015 لكن الاضطرابات الامنية والسياسية حالت دون ذلك) وهنا ايضا لا اريد التساؤل عن الضمانات التي يقدمها السيد عزام في موقع السد بعد اكماله ليكون الوضع الامني والسياسي والاجتماعي صافيا ورائقا وان الجيران سيسمعون نداء العراق (او صلاة الاستسقاء) للحصول على حصته المدفوعة الثمن والمخزنة في السد؟ …. وكيف ينظر الجيران الى اولوياتنا المائية والزراعية والاهوارية مقابل اولوياتهم وخاصة في سنوات الجفاف والشحة….(هناك الف سؤال).

 

3- لقد اشتغلت الجارة تركيا لسنوات بل لعقود للحصول على تمويل من المؤسسات الدولية لمشروع سد اليسو (والسدود الاخرى ومنها سد اتاتورك على الفرات)، لان ذلك يعني مباركة من تلك الدول والوكالات لانشاء المشروع ولتخفيف حدة النقد الموجه لتركيا في ان مشروع سد اليسو يتعارض مع القوانين الدولية ويضر بالدول المتشاطئة اقتصاديا وبيئيا واجتماعيا وثقافيا ولايحقق السلام بل يخلق توترا المنطقة في غنى عنه.

 

4- انسحب الكونسورتيوم الاوربي (السويسري-النمساوي-الالماني) من تعهداته التعاقدية في الدعم المالي لتركيا بغرض انشاء سد اليسو بعد ان تأكد الاوربيون من ثلاث قضايا اساسية، يبدو ان السيد عزام علوش يجهلها وهي: اولا، ان انشاء سد اليسو يتعارض مع القوانين الدولية ويؤثر سلبا على البيئة والتنوع الاحيائي والتراث الانساني والآثار في المنطقة، والثاني انه يضر بمصالح الدول المتشاطئة ويتعارض مع المواقف الرسمية المعلنة للعراق ضد انشاء السد، والثالث هو ان تركيا غير قادرة على الالتزام بالمعايير الدولية المعمول بها بعد دخول السد مرحلة التشغيل وسيخلق بؤرة للتوتر في المنطقة، ومن باب التذكير فان البنك الدولي انسحب حينها من تمويل سد اتاتورك على الفرات.

 

5- ان السيد عزام يسّوق نفسه باعتباره ناشطا من اجل الاهوار، حيث كان يقوم باصطحاب صحفيين اجانب لزيارة الجبايش وتصويره هناك، وهذا من حقه، لكن دعوته لرهن مصير الاهوار بأيدي الجيران الاتراك، فضلا عن كونها ليست بريئة، فهي بالتأكيد ليست في مصلحة الاهوار، وتضيف بعدا آخر للصعوبات والتحديات التي يواجهها سكان الاهوار والجنوب العراقي وخاصة في سنوات الجفاف والشحة، ويتعارض مع الحملات الدولية الرامية لايقاف انشاء سد اليسو ، واشتركت في بعض تلك الحملات منظمة المجتمع المدني التي انشأها هو شخصيا واطلق عليها “طبيعة العراق

 

6- واخيرا: يمكنني كتابة بحث عن هذا الامر وحول سد اليسو ومضاره والـ (300) الف هكتار التي انشأ من اجلها سد اليسو وغير ذلك، ولكن سأكتفي بقول مايلي:

 

ان العراق ليس حائطا واطئا ومصالحه ليست للبيع او الاقراض او للتقرب من هذا المحور او ذاك، وان مشكلاتنا الوطنية مهما كانت صعبة الا انها مؤقتة، بما فيها مشكلة سد الموصل التي يجب ان تكون اولوية اولى علينا ان نعمل على حلها بالتعاون مع المجتمع الدولي وبجهودنا الوطنية، وسينهض العراق معززا بارادة ابناءه الغيارى.

 

انا ادعوا الى علاقة ثنائية متطورة مع الجارة تركيا وخاصة في الميدان المائي، على ان تكون قائمة على المصالح المشتركة واحترام سيادة العراق، وحترام القوانين الدولية، وعدم التنازل عن المصالح الحيوية لبلادنا بل بالجلوس مع جيراننا (جميع جيراننا) نداّ للند وبصورة متكافئة للبحث في حلول مناسبة، وليس في التطوع المجاني لبيع مياهنا وتعريض استقلالنا وسيادتنا للانتهاك، فآنذاك فقط تكون حقوقنا مصونة وارادتنا محترمة.

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here