هل يصلح التكنوقراط ماافسده الدهر ؟

0
473

قلم وورقة

كتب / عباس عبد الرزاق الصباغ …

يذهب بعض المحللين بعيدا في التخمين حول الأسباب التي دعت رئيس الوزراء د. العبادي الى تشكيل حكومة تكنوقراط عابرة للمحاصصة الطائفية والاثنية وايضا للفئوية الحزبوية والكتلوية ، وذلك بالتنظير أحادي الجانب للمسالة بعدِّها أنها جاءت لأسباب اقتصادية فقط وان تدهور الاقتصاد العراقي بسبب الهبوط الحاد لأسعار النفط المورد الرئيسي للاقتصاد العراقي الريعي كان هو السبب وراء هذه الدعوة كون ذلك التدهور قد كشف عن عورة هذا الاقتصاد إضافة الى حالة التقشف التي اضطر اليها مهندسو السياسة المالية والنقدية للبلد .

ومن الخطأ أن تقتصر الدعوة الى الإصلاح (الجذري وليس الشكلي والترقيعي) على أسباب اقتصادية بحتة وكأن الأمر يبدو بهذه الصورة السطحية ، صحيح ان العامل الاقتصادي كان مؤثرا جدا لاسيما وان الدعوة الى التقشف ناهيك عن المطالبة بالقضاء على الفساد التي رافقتها احتجاجات جماهيرية صاخبة تمثلت بالحراك المدني المنتفض المستمر ، ومطالبات مرجعية ملحة بالضرب بيد من حديد على أيدي المفسدين الذين أهدروا أموالا طائلة جدا وأوصلوا البلد الى حافة الإفلاس ، كل ذلك كان سببا رئيسيا دعا رئيس الوزراء الى تعديل طاقمه الحكومي تعديلا جوهريا يناسب واستحقاق المرحلة .

وفي جوهر الحقيقة ، ليست الأزمة المالية وحدها هي من حتَّمت الدعوة الى تغيير الكابينة الحكومية تغييرا تكنوقراطيا وإن جاءت متأخرة لأكثر من عقد من الزمان فخلال السنوات الاثنتي عشرة المنصرمة شُكلت خمس وزارات والسادسة “التكنوقراطية” مازالت مرتقبة ، وحقيقة التغيير لها وجهان احدهما اقتصادي والآخر سياسي فقد بدا الوجه الاقتصادي اكثر وضوحا لارتباطه بالحالة المعيشية للمواطن العراقي فان الوجه السياسي لم يكن اقل وضوحا وكادت البلاد ترجع الى مربع الصفر بسبب الخلل البنيوي التأسيسي الذي تماسست عليه العملية السياسية لمابعد التغيير النيساني وسوء الإدارة والتخبط السياسي والحزبوي لأغلب فرقاء العملية السياسية التي لم تقم على أسس دولتية صحيحة وكان لابد من مخارج سياسية / اقتصادية للازمة السيا / اقتصادية الخانقة قبل ان تتفاقم الأمور الى مالا يحمد عقباه، فالمشهد العراقي المأزوم الذي بدا يسير نحو أفق مسدود من جوانبه كافة هو أشبه بواقع أصابه تسونامي خراب شمولي وجسد نخره داء عضال ، ومن أسباب التدهور السياسي: الاعتماد بالدرجة الأساس على ترشيحات الكتل السياسية للمناصب والتي لم تأتِ بالعناصر الكفوءة ، بقدر ما تمت اختياراتها بموجب الولاءات والصداقات والمنافع المتبادلة وعلى حساب المواطن المسكين وينسحب هذا المآل على جميع هياكل ومفاصل الدولة العراقية وبكافة مستويات تمثلاتها الهرمية فلم يعد الآن لدينا ـ كواقع حال ـ دولة متماسكة ولا حكومة منسجمة مع مصالح الشعب ولا أداء اقتصادي رصين ناهيك عن المشهد الأمني المضطرب. فالاقتصاد الوطني يعاني اليوم من محنة كبيرة بسبب انخفاض أسعار النفط والتخبط بالسياسات الاقتصادية، إضافة الى الإخفاقات الكبيرة في بناء الدولة والفساد المستشري وسوء استعمال السلطة والمال العام وتقسيم الحكم على أساس طائفي وعنصري محاصصاتي ، قد يقود كل ذلك في نهاية المطاف الى تقسيم البلاد وهو ماحذرت منه المرجعية مسبقا .

وبعد أن تعثرت مسيرة الإصلاحات التي أطلقها السيد العبادي منذ آب الماضي ، والتي لم تأتِ بالنتائج المرجوة منها فتحتَّم المضي في مسعى إصلاحي آخر أكثر واقعية وجدية وبما يتناغم مع مطالب الجماهير والمرجعية وذلك بتطهير العملية السياسية من الأساس وتنقيتها من الشوائب التي علقت بها وتصحيح مساراتها ووضعها على السكة الصحيحة وبالقفز فوق الخطوط الحمر والحواجز المتمثلة بالمحاصصة ومبدأ (هذا لي وذاك لك) والتوافق الظاهري تحت غطاء التشارك والتوازن المكوناتي فيكون البديل في البحث عن فريق وزاري متجانس يستطيع العمل بروح واحدة لتجاوز التحديات السياسية / الاقتصادية / الأمنية / الخدماتية وغيرها فلا تغيير ولا إصلاح حقيقيا إذا لم يتم تجاوز وعبور المحاصصة الحزبية والسياسية، والقفز فوق الشروط التعجيزية لبعض الكتل التي تريد أن تبقى الأوضاع كما هي عليه دون تغيير حقيقي، فالإصلاح التكنوقراطي ولادة ثانية وحقيقية للدولة العراقية المعاصرة قد تكون نسخة “محسنة” عن تلك الدولة التي ولدت بعملية قيصرية في نيسان 2003 .

حكم التكنوقراط يعني بالدرجة الأولى التوجه لاختيار أصحاب الكفاءة والخبرة والاختصاص في إشغال المراكز المهمة للدولة لكل حلقاتها لذلك، فإن السيد العبادي حدد بدقة وأمام البرلمان الذي طالبه بتفويض يشرعن مسعاه ، بأن التغيير يجب أن يستند الى المهنية والاختصاص والتنازل عن الاستحقاق الانتخابي وحكومة النقاط (النقطة الواحدة تعادل مقعدين من مقاعد مجلس النواب التي تحصل عليها الكتل السياسية بعد إجراء الانتخابات التشريعية) .

وبموجب الدستور العراقي يستطيع رئيس الحكومة إعفاء أي من وزرائه، بل حتى جميع وزرائه، وإعادة تشكيل حكومته على وفق المادة 78 منه التي تنص: «رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة ….. وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب».

وأقول : وقبل الشروع بهذا التغيير الإستراتيجي المُلح يجب اولا تفعيل قانون الأحزاب السياسية (رقم 36 ) لسنة 2015 لوضع خارطة طريق صحيحة للعمل الحزبي في العراق وهو عمل لم يخلُ يوما ما من شوائب أخطاء التأسيس والتخبط في الإدارة وتفشي الفساد وماكان مخالفا لكلاسيكيات العمل الحزبي في العالم وثانيا يحب استرداد جميع الأموال التي نُهبت وإرجاعها الى خزينة الدولة وتقديم الفاسدين الى القضاء بغية إرجاع ثقة المواطن العراقي بالعملية السياسية ، الثقة التي اهتزت كثيرا.

 

 

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here