هل ستلعب امريكا دور القابلة المأذونة لتوليد دولة كوردية؟

0
546

ورقة وقلم

كتب /  د.عبدالله جاسم ريكاني ….

قبل حوالي سبع سنوات، سافر الرئيس الامريكي اوباما الى انقرة لالقاء كلمة في البرلمان التركي. كانت الحرب الامريكية في العراق قد أثًرت على العلاقات الامريكية-التركية، تركيا كانت قد حذًرت من الغزو الامريكي على العراق و من نتائج الحرب على الاستقرار في تركيا. لقد كان للخطاب الشفاف الذي ألقاه الرئيس الامريكي الجديد امام البرلمان التركي حول كيف ان الجنود الامريكان و الاتراك يحاربون جنباً الى جنب من كوريا الى كابول و إعجابه ب” ديموقراطية تركيا” ألأثر البليغ في تشخيص المسائل و النقاط الحساسة بشكل صحيح. كما انها فتحت آفاقاً جديدة في العلاقات المتينة مع دولة كبيرة، مزدهرة، ديموقراطية و مسلمة تمثل نموذجاً إيجابياً للسياسة الخارجية الامريكية.

الآن و مع قرب نهاية مرحلة اوباما، يبدوا ان واشنطن قد فشلت في علاقتها مع أنقرة. و اصبحت الاختلافات و سوء الظن تميز ما كان يفترض به ان يكون “موديلاً ناجحاً” للشراكة المستندة على المصالح و القيم المشتركة. فمالذي حدث؟ على الرغم من دفاع نخب السياسة الخارجية الامريكية عن السياسة التركية الغربية التوجه، فإن العلاقة بينهما تاريخياً كانت مثالاً للإحباط.

لقد كانت هناك اختلافات جوهرية بين الدولتين حول قرار الرئيس جون كينيدي القاضي بسحب الصواريخ أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، الغزو التركي و احتلال شمال قبرص في عام 1974 و الذي نجم عنه فرض حظر لتوريد السلاح الى تركيا، علاقات انقرة باليونان، قضية إبادة ألارمن و كذلك الموقف التركي من غزو العراق. و حتى في السنوات الاولى لعهد اوباما، عانى المسوؤلين الرسميين الامريكان من سياسات تركية موجعة. بعد مرور سنة على خطاب اوباما في البرلمان التركي، صوتت انقرة بالضد من مشروع قرار لمجلس الامن يفرض عقوبات على طهران، و تباحثت مع البرازيل حول عقد صفقة نووية مع طهران، و حاولت كسر الحصار الاسرائيلي على غزة من خلال ارسال ما سمي حينئذٍ ” باخرة السلام” و التي نجم عنها مقتل تسعة من الاتراك الذين كانوا على متن تلك السفينة التي كانت تحمل العلم التركي.

و بعد ان تمكن اوباما و رجب طيب تردوغان و الذي كان حينئذ رئيساً للوزراء من تنقيىة الاجواء بينهما في اجتماع قمة العشرين في حزيران عام 2010، بدت الامور و كأنها عادت الى مسارها الصحيح بين الطرفين، و توِج العهد الذهبي الجديد للعلاقات بينهما في الربيع العربي. على الرغم من علاقات انقرة الجيدة مع نظام بشار الاسد في سوريا و القذافي قي ليبيا، اعتبرت الادارة الامريكية تركيا نموذجاً يمكن للعالم العربي الاقتداء به في “مسيرته نحو الديموقراطية”.

و مع هذا، فإن الربيع العربي نفسه و خاصةً الانتفاضة السورية و تقاطعها مع السياسة الداخلية التركية، كان السبب في إعادة التوتر الى علاقات انقرة مع امريكا. كانت المظاهرات التي بدأت في مدينة درعا السورية فرصة مثالية لتركيا لإظهار زعامتها في الشرق الاوسط. لقد كان بإستطاعة أردوغان الاستفادة و الاستثمار في علاقاته الجيدة مع بشار الاسد في السنوات الخمسة التي سبقت الانتفاضة السورية و أثناء الادارة المتشككة لجورج بوش و الادارة الاكثر أنفتاحاً لاوباما، عندما أعلن أردوغان انه يعمل على إبعاد دمشق عن طهران و التأثير على نهج و سياسة الرئيس السوؤي بشار ألاسد. و لكن عندما تصدًت قوات الامن السورية لإنتفاضة أهالي درعا بالقوة، ذهب وزير الخارجية التركي الى دمشق و دعا النظام السوري للتعامل بحذر مع الانتفاضة و البدء بالاصلاحات. وقد وافق الاسد على ذلك ظاهرياً و لكنه استمر في قمعه للمتظاهرين. و بعد أن بدأت الاعداد الكبيرة من اللاجئين تتجه نحو الحدود التركية و تطلب حمايتها من الجيش السوري و حملات القتل السورية، تخلت انقرة عن نظام الاسد الذي كان حليفاً لها قبل ذلك.

لقد كان موقف اردوغان الى حدٍ ما ما مبدئياً، و لكنه لم يكن يريد ان يقود الجهود التي تؤدي الى إزاحة الدكتاتور و فضًل بدلاً من ذلك الى تشجيع و حتى إهانة اميركا من أجل دفعها الى خوض حرب أخرى في الشرق الاوسط بدون جدوى بدلاً من ان يبادر اردوغان الى القيام بتلك المهمة.

الاتراك الذين كانوا يتصدرون المواقف التي كانت تندد بامريكا تحت حجة غزوها للعراق لاسباب واهية، باتوا الآن محبطين جداً لأن رئيساً امريكياً آخر لم يقم بالتخل والاطاحة عسكرياً بالنظام السوري تحت نفس المبررات الاخلاقية التي ادت الى غزو العراق. و ترك الاتراك لمواجهة سخرية موقفهم: التدخلات الامريكية في العراق و عدم تدخلها في سوريا كلا الموقفين الامريكيين، هدًدا الامن القومي التركي.

و عندما إصطدم الصراع في العراق و سوريا في صيف2014 ، باحتلال ابو بكر البغدادي لمدينة الموصل العراقية، وجد كل من الامريكان و الاتراك انفسيهما يسعون لتحقيق اهداف و مصالح مختلفة من جراء غزو داعش للعراق و سوريا.

 

بالنسبة للاتراك، كانت الاستراتيجية التي اعلنتها امريكا لسحق و هزيمة داعش بلهاء لانها لا تستهدف الإطاحة بالأسد و الذي يعتبر بالنسبة لأنقرة السبب الرئيسي للمشكلة السورية. كما رفض اردوغان التوقيع على استرتيجية التحالف الدولي التي شكله اوباما ضد داعش بدواعي خوفه من إنتقام داعش منه و القيام بعمليات لقتل الابرياء في تركيا على حد زعمه.

و الاهم من هذ كله، هو طريقة فهمه للتهديد الذي شكلته الانتفاضة السورية و التي تطورت فيما بعد الى حرب أهلية و صراع يدار بالنيابة عن القوى الاقليمية، و مكان للمواجهة بين القوى العظمى و اخيراً، منطقة تطرف غير مقيدة.

ان العنف الذي نجم عن هذه القوى و المعارك المتصادمة بين اطراف النزاع في سوريا، ادى الى تمزيق سوريا بشكل غير متصوًر. و أدرك الاتراك ان سوريا الممزقة ستؤدي الى نشوب كيان كوردي مستقل على طول مساحة من الارض تجاور الحدود التركية مع سوريا و التي تقطنها اغلبية كوردية في جنوب شرق تركيا. و لقد كان لظهور كوردستان الغربية او “روزآفا” تطوراً أصرً القادة الترك على أنهم لا يتحملونه.

عدوك صديقي:

لقد كان الصراع بين الوطنية التركية و الكوردية هو جوهر الدراما في السياسات التركية. عندما وصل اردوغان و حزبه حزب العدالة و التنمية الى السلطة قي عام 2002، بحثوا في اساليب لتهدئة هذا الصراع متبعين سياسة عدم التركيز على “التركوية” كمؤشر للهوية التركية، و التركيز بدلاً من ذلك على الاسلام الذي يدين به الغالبية من الاتراك و ذلك من خلال زيادة الاستثمارات في جنوب شرق تركيا ذو الغالبية الكوردية و من خلال التفاوض مع حزب العمال الكوردستاني لانهاء الصراع العنيف بينهما منذ عام 1984. و لكن كلا الجهدين فشلا بسبب اصرار الطرفين على السياسات القومية التي فشلت في تحقيق المصالحة الحقيقة بين الطرفين.

و عندما وقفت الدبابات التركية و التزمت الصمت المخادع تجاه هجوم الدواعش على مدينة كوباني الكوردية في روزآفا في صيف 2014، انتفض الكورد في جنوب شرق تركيا. و في تلك اللحظة تزامنت و ترافقت مصالح اردوغان مع مصالح ابو بكر البغدادي. لقد ادرك اردوغان ان تدمير الكورد في سوريا سيمنع تحول روزآفا الى حقيقة، و تجلب له اصوات الجناح القومي المتعصب للرئيس التركي الذي كان ينتظر انتخابات برلمانية.

و من ثمً، إشتد العنف بين الدولة التركية و حزب العمال الكوردستاني. و تدهورت المفاوضات بينهما، الامر الذي أدَى الى تجدد العنف.

على الرغم من ان السبب المعلن لتجدد العنف كان اغتيال شرطيين تركيين قي مدينة جيلان بينار على الحدود السورية في منتصف عام 2015. على أيةِ حال، لم يكن الامر مهماً بالنسبة لأردوغان طالما كان بإمكانه ان يستغل الجولة الجديدة من العنف لصالحه سياسياً في الانتخابات التي جرت لاحقاً.

ما قد يسأله اي قائد سياسي عاقل، ما هي علاقة امريكا بهذا الوضع الشائك و المعقد؟ تقريباً كل العلاقة. عندما اعلنت تركيا ترددها في الانضمام الى التحالف الدولي المعلن بقيادة امريكا ضد داعش في صيف 2014، ذهبت واشنطن للبحث لها عن حلفاء على الارض يعوضون لامريكا عن جلب قوات مشاة كبيرة الى ارض المعركة مع داعش في كل من العراق و سوريا. و لقد عثرت ادارة اوباما فعلاً على شركاء في العراق و هم البيشمركة الكورد، و على وحدات حماية الشعب الكوردي ( YPG) في سوريا. وتبين فيما بعد للامريكان ان ال YPG، هي قوة فعالة و مؤثرة ضد داعش، و بالنتيجة، تم زيادة التنسيق بين القادة العسكر الامريكان و مقاتلي ال YPG.

هذا التنسيق خلق صداعاً للساسة الامريكان الذين وجدوا صعوبة في التوفيق بين حق تركيا في الدفاع عن نفسها ضد الارهاب الذي إدعت تركيا انها تواجهه من قبل حزب العمال الكوردستاني و التمييز و التفريق في نفس الوقت بين ال YPG وPKK ، و الذي تصر تركيا على انهما نفس الحزب، بينما الامريكان لا يشاطرون الاتراك نفس الرأي. هذه النظرة الامريكية هي التي سمحت باستمرار التعاون و الدعم الامريكي ل YPG.

ان المماحكة و الشجار بين الطرفين التركي و الامريكي، تعتبرها انقرة تحدياً و إهانةً لها، لأنها تخشى ان يؤدي التعاون بين ال YPG،pkk و الامريكان الى نجاح المساعي الكوردية في الانسلاخ عن سوريا و تكوين كيان كوردي خاص بهم تعتبره انقرة دولة ارهابية على حدودها.

و لهذا حالياً تقوم القوات التركية بقصف قوات حماية الشعب الكوردي في سوريا، و في الوقت ذاته تستمر قوات حماية الشعب الكوردي في التنسيق مع الامريكان و الروس، تاركين المسؤولين الترك للاستنتاج ان كلاً من واشنطن و موسكو تقفان بالضد من انقرة. ليس هناك شك عند العديد من الاتراك من الذين يعرفون تاريخ دولتهم جيداً، ان الاحداث التي تجري حالياً في المنطقة تشابه الى حدٍ كبير احداث ما بعد الحرب العالمية الاولى عندما كانت القوى العظمى حينذاك تبحث في كيفية تقطيع اوصال الاناضول.

 

انقرة تريد من واشنطن ان تختار بينها و بين قوات حماية الشعب الكوردي، و لكن القليل في واشنطن يريدون التعامل بجدية مع نتائج تفكك سوريا على العلاقات التركية-الامريكية و مع العلاقات الجديدة لامريكا مع الكورد السوريين.

 

التلريخ يشهد منطقياً، على ان الذين اختيروا بين الكورد، الامة الضعيفة و المبعثرة بين اربع دول ليست بينها اية دولة كوردية، و بين تركيا، الدولة القوية و التي تؤثر في العديد من المصالح الخارجية المهمة جداً لأمريكا، ستختار امريكا الكورد و ليس الترك. و لكن العالم قد تغير على أيةِ حال. تركيا هي دولة حليفة لأمريكا و لكنها لم تعد الحليف الذي لا يمكن الإستغناء عنه. انه لمن الصحيح و بعد سنة من المفاوضات الشاقة، وافقت انقرة على استخدام قواعدها الجوية في ضرب داعش، و لكن في الأزمة الحالية، أثبتت تركيا انها شريك مرتبك، لا يمكن الاعتماد عليه، عنيد و فاقد للمصداقية.

الاتراك يتشاركون المصالح مع الامريكان في خطوطها العريضة و هي (رحيل الاسد و تدمير داعش)، و لكن انقرة و ببساطة لا تتفق مع استراتيجية امريكا لتحقيق هذه الاهداف. و بالنتيجة، آن ألأوان لواشنطن ان تراهن على الكورد، ليس بسبب العديد من الصفات التي قيلت حول الكورد كونهم “ديموقراطيون، موالون للغرب، علمانيون، و لكن بسبب تواجدهم الكثيف في كل من العراق و سوريا الدولتان اللتان تمزقتا و في المكان الذي تبحث فيه عن و تحتاج فيه واشنطن الى حلفاء لها لقتال داعش.

الانخراط الامريكي في الاهداف و المصالح التركية المتناقضة في المنطقة ، لا يؤدي إلاً الى تأخير الولايات المتحدة الامريكية عن بلوغ اهدافها. على الرغم من إن حزب العمال الكوردستاني مصنف دولياً كحزب ارهابي، و لكنه، و بالعكس من داعش، يمكننا ان نتصور حلاً لنزاعه العنيف مع تركيا، كما فعل اردوغان عندما بدأ سلسلة من المفاوضات معه في عام 2013.

ان الولايات المتحدة الامريكية سواءاً كانت تقصد او لا تقصد، عملت عمل “القابلة المأذونة” لولادة روزآفا، و كوردستان العراق. و ليس بإمكان امريكا الاستمرار في وضع الكورد في قائمة “الحصون التي تحمي المصلح الاقليمية الامريكية” و في ذات الوقت، تقمع تطلعاتهم نحو الاستقلال. إذا ما رغب الكورد في كل من العراق و سوريا في الاستقلال، لا يجب على واشنطن ان تقف حجر عثرة في طريقهم.

 

 

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here