الفساد حلقات متداخلة

0
376

سالم-مشكور

كتب /  سالم مشكور …

التقرير الذي صدر عن هيئة النزاهة وقرأ ملخصه رئيس الهيئة الصديق الدكتور حسن الياسري أمام جمع من الاعلاميين الاسبوع الماضي، يشير الى أن حجم كارثة الفساد عندنا كبير جداً. ما يقرب من تسع عشرة قضية فساد نظرتها الهيئة خلال العام الماضي دون أن تتضح نتائج ذلك بشكل ملموس. الفساد من السعة والشمولية بحيث لا يلمس المواطن نتائج لعمليات مكافحته رغم سعتها. هناك سبب آخر في عدم ملاحظة الناس لنتائج جهود المكافحة، هو أن الكثير من جهود الهيئة في ملاحقة وإكمال ملفات الفساد تذهب أدراج الرياح لأنها لا تأخذ طريقها الى التنفيذ. هكذا تتحول القضايا الى مجرد ملفات محفوظة، بانتظار «تماس كهربائي» يحدث عادة في غرف الملفات والعقود في الوزارات والدوائر التابعة لها. يحدث هذا في قضايا الفساد الكبيرة التي وراءها رؤوس كبيرة.

تقرير هيئة النزاهة وتوضيحات رئيسها التي رافقت العرض الملخص تكشف عن ثغرتين كبيرتين في عملية مكافحة الفساد وتجعلان الكثير من جهود الهيئة تذهب سدىً. الثغرة الاولى هي أن الكثير من الملفات التي يكتمل التحقيق فيها وتستكمل جوانبها القانونية وأدلتها، والتي يجري تحويلها الى القضاء، يتم إغلاقها ويخرج المتهم بريئاً من كل ذنب، كيوم ولدته أمه. يجري هذا غالباً مع أصحاب النفوذ السياسي والمالي. ربما تكون هناك أسباب حقيقية لإغلاق الملف كعدم كفاية الادلة أو اثبات المتهم براءته، لكن هناك أيضا حالات عديدة جرى فيها اغلاق ملفات بفعل ضغوط من سياسي متورط أو مستفيد من المتهم، أو تواطؤ قاضٍ فاسد.

الثغرة الثانية هي: عدم تنفيذ الكثير من مذكرات الاعتقال. قال رئيس الهيئة إن السؤال عن سبب ذلك يجب أن يوجه الى الاجهزة التنفيذية المسؤولة عن ذلك. هنا أيضا يدخل الفساد والتدخل السياسي في الامر لمنع الملاحقة. هناك متورطون في صفقات كبرى ومطلوبون للقضاء لكنك تراهم في مطار بغداد جيئة وذهابا محاطين بالمتملقين والحمايات.

نحن هنا أمام حالة غريبة. فساد مركّب. حلقات متداخلة من مصدّات مكافحة الفساد. إذا مرّت القضية ونجت من تدخل أو فساد داخل هيئة النزاهة، يظهر فساد في جلب المتهمين للتحقيق فلا يجري الاعتقال أو حتى التبليغ، وإن جرى فان المصد الثالث يكمن في القضاء، فتغلق ملفات ويبرّأ أصحابها، بضغط أو تهديد أو تواطؤ. النتيجة أن ملفات الكبار، مالياً أو سياسياً تنتهي بالاغلاق أو التجميد. تضيع أموال طائلة ويعود سرّاقها الى مواصلة النهب.

انتابني الضحك وأنا اتابع برنامجا استقصائيا على إحدى القنوات اللبنانية يتحدث فيه الصحافي وبفخر عن توصله الى حسابات بعض الساسة اللبنانيين في البنوك السويسرية. اللافت ان كل مسؤول ممن ذكرهم التقرير يملك رصيدا لا يتعدى الخمسة ملايين دولار. ضحكت بمرارة وأنا أقارن بينها وبين أرصدة فاسدينا. هذه المبالغ تعتبر «خردة» أمام نهم هؤلاء الى المال الحرام. قلت في نفسي: لو كان فاسدونا بهذه الدرجة من القناعة لوفروا على البلاد الكثير من الاموال. المكافحة الحقيقية ضرورية في كل المستويات لكنها يجب أن تشمل مراحل القضايا كلها بدءا من التحقيق وحتى الحكم مرورا بالاعتقال.لو جرى اعتقال عدد من الحيتان ونالت عقابها، فان الناس سيرون أملاً في إمكانية الاصلاح.

 

 

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here