“السلام لله” وأحيانا غير ذلك

0
307

 

ورقة-وقلم

 

كتب / علي علي …

 

في عالمنا اليوم، تتداخل التكنولوجيا مع حيثيات أعمالنا جميعها، وتتفاعل آلياتها مع أدواتنا في الانتاج، وهو أمر سهل كثيرا من طرائق الإبداع، واختزل من الوقت كثيرا مما كنا نبدده في صناعة أفكارنا وبلورتها الى منتوج ملموس او محسوس، او مرئي او مسموع او مقروء، حسب موقع كل منا وبما منوط به من مسؤوليات، فجميعها حتما تصب في مصب خدمة المجتمع، وترفده بما يعزز مكانته وسط باقي المجتمعات، وذلك باستثمار أهم عنصر في أي مشروع، ذاك هو عنصر الزمن، ونكون حينذاك قد أسهمنا بأداء دورنا على أرض جعلنا خالقنا فيها خليفته.

تطل بين الفينة والاخرى صيحة جديدة في مجال الفن او الأزياء او الأكلات او الديكورات، وغيرها من اهتمامات الشعوب في بقاع العالم شتى، تجذب الأنظار اليها من كل حدب وصوب، ويقبل الناس عليها بشغف شديد على انها سابقة من نوعها، وقد تلقى استحسانا ويستسيغها الناس ويرون فيها تجديدا له مردودات مادية او ثقافية او اجتماعية لاضير فيها، فتأخذ بذلك مأخذ التطبيق على نطاق أوسع، وتخرج حينئذٍ من مفهوم الغرائب والشواذ الى مفهوم العادات والطبائع، وبذا يكون ذاك المجتمع قد مارس حقه في التطور المشروع والتغيير المجدي والنافع، ليتأقلم مع تغيرات الحياة والبيئة، لاسيما ان الحياة العملية والسعي الدؤوب للحاق بركب التطور السريع، والقفز والوثوب تزامنا مع قفزات العصر العلمية والعملية أصبح يحتم علينا العمل بطاقات قصوى ولاسيما في مجتمعنا العراقي، الذي كبـَّله الحكام والملوك والسلاطين على مر العصور، وقيدوا انفتاحه واندماجه مع العالم، وأغرقوه في مستنقعات الحروب والاضطهاد والجور وانواع الحصارات، ساعدهم في ذلك من الداخل؛ خونة ومرتزقة وباعة ضمير، ومن الخارج؛ طامعون وحاقدون.

في عراقنا العريق، هناك الكثير من الرواسخ والثوابت التي ورثناها عن أجدادنا، هي محل اعتزاز وفخر في انتسابنا اليها باحتسابها هوية تثبت شخصيتنا العراقية، منها على سبيل المثال: طريقة السلام وردّه، بدءًا من: المصافحة وتبادل القبلات من الخد والجبين والكتف واليد، واذا كانت العلاقة أكثر حميمية فالتعبير عنها يكون (بوسة من الحلگ). وبانتهاء هذا الشوط ومن دون انتظار صافرة، يبدأ الشوط الثاني بسيل عارم من الأسئلة بطريقة الــ (صلي) لا المفرد، يبتدئها استخبار عن الحال كالآتي: (شلونك) و (بعد شلونك) و (شلونك بعد) ثم استفسار عن أفراد العشيرة فردًا فردًا الأحياء منهم والأموات. كل هذه الطبائع تدل على صفاء المودة، وصدق المشاعر وحسن النيات، وتعكس شدة الشوق. لكن نظرة آنية خاطفة الى البون الشاسع والهوة العميقة والفرق الكبير، بيننا وبين دول العالم في قرننا الواحد والعشرين، من حيث التقدم العلمي والحضاري والتكنولوجي وسائر العلوم، نرى أن أولئك القوم أولوا العمل اهتماما بالغا، ووضعوا له قدسية تعلو على باقي ممارساتهم اليومية، بل تفوق العلاقات الخاصة بين الأفراد، كالصداقة والأخوة والزمالة والجورة والقرابة، ورفعوا شعار؛ “Business is Business“ أي العمل هو العمل، وصارت تحيتهم بمفردة (HAY) وحدها، والرد أيضا بـ (HAY) لاأكثر ولاأقل، ويلجون فورا في صلب عملهم، وقطعا هم يدركون جيدا أن النجاح في العمل هو أساس النجاح في باقي جوانب الحياة، في طليعتها العلاقات الاجتماعية، الأمر الذي يوجب علينا ممارسة تقاليدنا وأعرافنا الأصيلة وطبائعنا الجميلة بشكل لايؤثر على نهج عملنا وجدواه، فجلنا يصطبح يومه في دائرة رسمية او معمل حكومي او اهلي اومؤسسة انتاجية او خدمية اومشفى او مدرسة، ومطلوب من الجميع بذل جهد استثنائي لبناء البلد من دون تبديد ساعات طوال، من الأولى أن تكون مخصصة للعمل والانتاج، وإلا سيكون السلام حينها لغير الله، وهذا ينافي قولنا المعهود؛ “السلام لله”. وهذا قطعا لايلغي التوادد والتواصل والتعاون والتآصر.

 

 

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here