داعش في ورش البحث.. أخيرا

0
259

عبد-المنعم-الاعسم

كتب /  عبد المنعم الأعسم …

استيقظت ورش ومعاهد البحث والدراسات في دول كثيرة مؤخرا، لمعاينة «ظاهرة داعش» ومكانها في النظام العقائدي العالمي ومسلسل الاحداث والتغييرات التي جرت في منصوصات الشرائع والقوانين والمعاهدات والحقوق في العديد من الدول، اقول استيقظتْ، لأن جملة الدراسات المبكرة عن «ظاهرة القاعدة» سقطت في التسييس والنظرة الاحادية، او العسكرة (الجهاد) دون المساس بعامل وممارسات وافكار صانع داعش الذي هو التطرف، بوصفه الممول الايديولوجي لهذه الظاهرة وغيرها من الظاهرات التي شهدها العالم المعاصر. إذن، نحتاج دائما الى التأكيد، ولو بشيء من الالحاح، بان داعش ظاهرة من ظاهرات التطرف في العقيدة، ولهذا التطرف مفردات قاموسية موازية، منها: الغلو. التشدد. مجاوزة الحد. والمبالغة مما يتجاوز في تجلياته وأحواله الاديان الى منظومات عقائدية كثيرة.

وفي الحديث عن مشروع داعش العقيدي لابد من النظر في عمق هذا المشروع الذي حمل في البداية اسم تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» مُطوّرا الى «دولة الخلافة الاسلامية» في صيغة تجاوزت مشروع تنظيم القاعدة (الأم) في الممارسة والتطبيق، كما تجاوزت جميع الوصفات «الحاكمية»الاسلامية، الدعوية والتطبيقية، التي طرحت منذ انهيار دولة الخلافة العثمانية في القرن الثامن عشر، ولعل ابرز تلك الوصفات يتمثل في مشروع اقامة دولة الخلافة في باكستان بعد انفصالها عن الهند في منتصف العقد الرابع من القرن الماضي.

وبمعنى آخر، على المختصين والدارسين والمهتمين بالظاهرات السياسية الجديدة، ألا يقللوا من شأن هذه «الحركة» وألا يقعوا في التبسيط التحليلي بالقول انها مجرد «فقاعة» طائفية، او افراز من افرازات احتلال العراق أو رد فعل على «حكم الاكثرية الشيعية» تشكل بعد سقوط دكتاتورية صدام حسين، او الزعم انها لا تعدو عن شريحة عراقية، اسلامية عروبية بعثية متمردة، فكل هذه التوصيفات تمس جزءا من حقيقة داعش، نعم، جزءا، قد لا يساعد على رصد خلفيات وزخم ومستقبل هذه الظاهرة المتطرفة في العراق والمنطقة والعالم، اخذا بالاعتبار ما يعلن عن انضمام و»بيعة» الكثير من فروع تنظيم القاعدة وجمهوره وانصاره الى قيادة داعش وزعيمها ابو بكر البغدادي بسرعة وحماسة لافتة، حتى لم يعد ثمة تبرير حركي وايديولوجي لوجود القاعدة وقيادة ايمن الظواهري، في ظل هذا البديل الجامح الذي شغل ويشغل العالم الآن..

وإذْ لم تتوفر الكثير من «الافكار» والادبيات والبرامج والتصورات التي يؤمن بها داعش، وليس ثمة هندسة فقهية، دعوية، سياسية، تؤطر طبيعة هذا المشروع (كما كانت القاعدة) فان المراقب لابد من ان يستخدم جملة البيانات والتصريحات والمنقولات المنسوبة لداعش او مواقعه على الانترنيت في الاسترشاد الى «العقل» الذي يدير هذا المشروع وخطابه ومنظوراته، لكن الاسترشاد الاكثر اهمية الى عقل داعش يمكن الحصول عليه من الممارسات ومعطيات التطبيق على الارض، وهي جميعها تفتح الملف على الحقيقة التالية: ان داعش يمثل طورا جديدا ونوعيا، واكثر توحشا، في ظاهرة التطرف الارهابية العالمية، وهي اضافة الى ذلك اعلى اشكال التطرف التي عرفها العالم المعاصر، بتجميعها خبرة جميع الحركات العنصرية في التاريخ وتجربتها ووحشيتها وضلالها، ولاسيما التي تتخذ من الاديان جسرا الى ترويج مشروعها الارهابي.

تكفي هنا الاشارة الى اعمال القتل الهمجية من قبل تنظيم داعش ضد الاقليات والطوائف (المسيحيين والايزيديين والشيعة والكورد) ما يدخل في توصيف الابادة الانسانية المحرمة دوليا ضد التنوع القومي والديني في العراق، وما لم ترض عنه حتى قيادة الظواهري للقاعدة في افغانستان، كما ذمته المراجع الدينية والدولية والاخلاقية على حد سواء. في هذا السياق، لم تعد هناك حاجة كثيرة للتفكير في علاقة مشروع داعش بالدين وتبرئة الاسلام من دم الضحايا، فان اطنانا من الكتب تعرضت الى الصهيونية العنصرية، مثلا، وبرأت الدين اليهودي من شنائع «الهاجاناه» ضد السكان الاصليين في فلسطين واعمال القتل بالجملة، لكن الامر بقي على حاله: الصهيونية تستند الى نصوص ومجتزآت من اليهودية مصدرا لتبرير مجازرها، فيما البريء من هذا المطعن هم ملايين اليهود الذين نأوا بانفسهم عن خرافة «شعب الله المختار». اقول لا يكفي القول بان داعش لا تمت للاسلام بصلة، فان مهندسي التوحش الارهابي لا يكفون عن الاستناد الى «مشطورات» قرآنية لتبرير افعالهم، وكان النبي محمد (ص) قد استبقنا قبل اربعة عشر قرنا من السنين بالتحذير من التجزئة القصدية للنص القرآني بقوله: «من أعانَ على قتل مسلمٍ بشطرِ كلمةٍ جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله».

 

 

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here