قراءاتي ــــــ وكالة المخابرات الامريكية واجهزة الاعلام

0
341

 

قلم

كتب / وليد خالد احمد ..

الكتاب الذي نعرض له اليوم، هو بحق اول محاولة لباحث عربي، ذات طابع اكاديمي لالقاء الضوء على الدور القذر الذي تلعبه وكالة المخابرات الامريكية في تضليل الرأي العام العالمي وتجنيد المئات من الصحفيين والكتاب للعمل في خدمتها.

بداية يستعرض المؤلف الدكتور عبد القادر ياسين نشأة وتطور وكالة المخابرات المركزية الامريكية منذ اواخر الاربعينيات، ويحلل المؤلف- استاذ العلوم السياسية بجامعة غوتنبيرغ ورئيس قسم الشرق الاوسط بالمعهد الدولي لابحاث الصراع ــــــ باسلوبه الموضوعي الرصين ، الدور الذي تلعبه هذه الوكالة في خدمة السياسة الخارجية لامريكا والشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات. فالوكالة –على حد قول المؤلف- تعتبر الذراع الضارب للسياسة الخارجية الامريكية. وعلى هذا الاساس فقد تناول المؤلف في بداية كتابه الهيكل التنطيمي للوكالة، حيث يقول –تضم الوكالة جيشاً قوامه 17 الف موظف حسب الاحصاءات الرسمية المرخص بها. اما الميزانية التي تعرض على الكونغرس فهي 850 مليون دولارـــــــــ هذه البياناتكانت وقت صدور الكتاب ــــــ .

ويستدرك المؤلف قائلا –لا يحتاج المرء الى ذكاء خارق او عبقرية فذة ليدرك ان عدد العاملين هو ليس بالرقم الحقيقي ولا الميزانية الحقيقية هي في النطاق المذكور. فالوكالة توظف عشرات الالاف من العملاء والمرتزقة والمستشارين بموجب عقود يضاف اليهم عشرات بل مئات الالاف من العاملين في شركات او مؤسسات تملكها الوكالة.

وينسب المؤلف الى وليام كولبي المدير الاسبق للوكالة قوله –ان الوكالة دفعت تسعة ملايين دولار للاطاحة بحكومة الوحدة الشعبية في التشيلي بزعامة الدكتور سلفادور الليندي. وقد تضمن هذا المبلغ تقديم رشاوى لبعض السياسيين التشيليين وتمويل اضراب سائقي سيارات الشحن عام 1972. اما في افريقيا فقد حاولت الوكالة تجنب التدخل بشكل واسع معتمدة على كمية ضئيلة من الاموال والاسلحة وعدد من الخبراء لمكافحة حركات التحرر الافريقية (اليسارية).

ويمكن اعتبار الحرب السرية التي شنتها وكالة المخابرات الامريكية في لاوس احدى انجح تجاربها في جنوب شرقي اسيا. فقد كان التدخل الامريكي في لاوس اكبر الحملات في تاريخ الوكالة واكثرها كلفة حين عملت على تجنيد 60 الفا من رجال القبائل للعمل في خدمتها كما استأجرت عدد من الطيارين للقيام باعمال القصف والتموين وحتى نقل الافيون. وعندما فشل هذا الجيش في تحقيق اهدافه بعد سنوات عمدت الوكالة الى تجنيد وتمويل عشرين الفا من المرتزقة التايلنديين لمتابعة حرب الاستنزاف.

ويشير المؤلف الى ان الحرب في لاوس، كانت من انجح العمليات التي قامت بها الوكالة اذا اعتمدت مبدأ السرية القصوى وباستحدام اقل عدد من 50-60 ضابطاً متفرغاً بينما كانت الالاف التي تحارب من المرتزقة. وكانت نفقات الحرب قليلة اذ تراوحت بين 30-40 مليون دولار في العام.

ثم يعرض المؤلف الدور الارهابي الذي مارسته امريكا التي خرجت بعد الحرب العالمية الثانية وهي تمثل القوة الرئيسية وقلعة الامبريالية العالمية. واعتقد رأس المال الامريكي الاحتكاري ان القرن الامريكي قد بدأ حيث تكون السيطرة والسيادة للدولار. ولكن كانت هناك قوى عالمية تعارض مخططات الامبريالية الامريكية وكانت هناك ثانيا القوى الامبريالية الاخرى غير امريكا وكانت في حالة ضعف، بينما كان نفوذ القوى التقدمية في كافة ارجاء العالم يتعاظم سريعاً وكانت هناك ثالثاً حركات التحرر الوطني المتعاظمة ومجموعة الدول المستقلة حديثاً والتي شكلت فيما بعد العمود الفقري لحركة عدم الانحياز.

كانت هذه التطورات تشكل مشكلات خطيرة تواجه امريكا فضلا عن كافة اشكال واساليب العدوان القديمة البالية التي ثبت عدم كفايتها لمواجهة المستوى الجديد للقوى المعادية للامبريالية. ونظرا للتطور والتحول في العلاقات الدولية بين القوى العالمية –يضيف المؤلف- فقد اضطرت امريكا الى انتهاج اساليب سرية وخفية بالاضافة الى اساليب اخرى من العدوان الامبريالي اقتصادي ودبلوماسي وعسكري وتقليدي، والتهديد المستمر بشن حرب نووية شاملة.

وهكذا اصبحت وكالة المخابرات الامريكية السلاح السري الخطير والهام في يد السياسة الخارجية لامريكا وخاصة في اواخر السبعينيات والثمانينيات.

ويخصص المؤلف احد فصول كتابه للاعمال القذرة التي قامت بها الوكالة في بعض دول العالم الثالث وتدخلها السفر في الشؤون الداخلية لدول امريكا اللاتينية ودعمها المطلق والمباشر للانظمة الدكتاتورية في هذين العالمين .

ويستمر المؤلف بالقول –لقد انكشف الغطاء عن المخابرات الامريكية بعد انتفاضة الحركات الديمقراطية في امريكا خلال الستينيات. وفي عام 1967 افتضح امر العلاقة السرية التي تربط الوكالة باتحاد الطلاب والعمال وبعدد من المؤسسات الاخرى والجامعات والصحف ووكالات الانباء العالمية ودور النشر.

يقول المؤلف –ان الوكالة ركزت عملها السري في اوربا كجزء من الحرب الباردة لاحتواء الستار الحديدي واضعافه، فعمدت الى دعم احزاب سياسية وافراد واتحادات عمالية وخاصة في فرنسا والمانيا الغربية (سابقاً) وايطاليا. وقد حاولت ايضاً تنظيم ثورات مضادة من خلال دعم مجموعات من مهاجري اوربا الشرقية المقيمين في الغرب.

ويخصص المؤلف الفصول الثلاثة الاخيرة من كتابة لاستعراض الدور القذر الذي تلعبه الوكالة في تضليل الرأي العام العائلي. فيشير المؤلف استناداً الى تقرير السيناتور تشيرتش رئيس اللجنة الخاصة بالتحقيق في الممارسات غير القانونية للوكالة في التقرير الذي رفعه الى الكونغرس بهذا الشأن اشار الى ان عدة مئات من

الصحافيين الاجانب يتقاضون مكافآت شهرية من وكالة المخابرات المركزية التي تثمن جهودهم في خدمة ما تسميه بالعالم الحر وقد تضمن التقرير اسماء 268 صحافياً ومحرراً. وخلال السنوات القليلة الماضية من تاريخ اصدار الكتاب1986، يقول المؤلف. ازداد عدد الصحافيين الامريكيين الذين افتضح امر عمالتهم لوكالة المخابرات. فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول المؤلف اعتماداً على ما اكدته مجلة (counter spy) الامريكية ان 165 صحافياً ومحرراً كانوا يتلقون مرتبات شهرية من وكالة المخابرات المركزية لسنتين خلتا فقط –اي 1984 ــ1985- وغني عن البيان، ان هذا الرقم لا يشمل الا الصحافيين الذين يتقاضون اجورا نقدية. بيد ان ثمة ادلة تشير الى ان الكثيرين من الصحافيين يتقاضون اجورا بطرق اخرى . ويقول المؤلف –ان احدى النقاط الاخرى التي ينبغي اخذها بعين الاعتبار في تقرير صلة وكالة المخابرات المركزية باجهزة الاعلام، هي ان تغلغل الوكالة اعظم ما يكون عادة حيث ينتشر نفوذها على نطاق اوسع. فقد اشار السيناتور تشيرتش في تقريره آنف الذكر ان الوكالة قد تغلغلت في 16 وكالة من وكالات الانباء-اليونايتد برس والشبكتين التلفزيونتين CBs, NBC ومجلات التايم ونيويورك ويو اس نيوز اندوورلد ريبورت وصحيفة الواشنطن بوست وصحف بارزة اخرى.

ويقول المؤلف –ان ثمة صلة اخرى بين وكالة المخابرات واجهزة الاعلام الامريكية، وتتمثل هذه الصلة في تبرع محطات التلفزيون الامريكية لاجهزة دعائية تديرها وكالة المخابرات مثل راديو اوربا الحرة وراديو الحرية. ففي عام 1979 وفي اجتماع للجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس النواب الامريكي، اعلن رئيس محطة راديو اوربا الحرة ان شبكة ABC من بين شبكات اخرى قدمت للمحطة 475 الف دولار، وان شركة RCA التي تملك شبكة NBC قدمت للمحطة منذ تأسيسها في عام 1947 ما يزيد على نصف مليون دولار.

ويورد المؤلف نقلاً عن تقارير الكونغرس الامريكي اسماء العشرات من الاشخاص الذين شغلوا مناصب قيادية في وكالة المخابرات المركزية ثم انتقلوا الى مؤسسات صحافية او اذاعية في امريكا او في خارجها.

وللكتب مكانة خاصة في حقل دعاية وكالة المخابرات، ففي عام 1961 كتب رئيس هيئة العمل السري في الوكالة يقول –ان الكتب هي السلاح الاهم للدعاية الاستراتيجية بعيدة المدى ذلك انها احد الاشكال الجديدة للدعاية التي تستطيع تغيير اراء الاشخاص على نحو تام.

وقد كشف المؤلف نقلاً عن مجلة Dissent الامريكية الصادرة في ت1/ 1983 النقاب عن ان وكالة المخابرات الامريكية كانت تملك وتدير واحدة من اكبر دور النشر في امريكا وهي دار Praeger.

وينسب المؤلف الى السيناتور تشيرتش قوله في تقريره آنف الذكر. ان وكالة المخابرات المركزية نشرت ومولت سرا نحو 1580 كتاباً. ويشير نفس المصدر، الى ان الوكالة يجب ان تتأكد من ان المخطوطة ستتفق مع اغراضها الدعائية وليس هذا فحسب بل ان الوكالة لم تكن تقتصر مسؤوليتها عن نشر الكتب بل كذلك عن نشر مراجعات نقدية تثني عليها كما عملت الوكالة على وقف نشر كتب ومقالات معادية للادارات الامريكية او الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات.

ويقول المؤلف –انه على الرغم من سرية الوكالة فانها لا تتمتع بالاستقلال التام اذ انها تخضع الى حد كبير لسيطرة الحكومة، فمن غير المعقول ان تقدم الوكالة على الاطاحة بنظام حكم او دعم حكم ديكتاتوري في منطقة ما من العالم دون الحصول على موافقة الرئيس الامريكي.

ويشير المؤلف –الى انه لم يحاول اي رئيس امريكي، منذ ان انشأ ترومان الوكالة، العمل على ايقاف او على الاقل اضعاف التدخلات التي تقوم بها الوكالة.

لقد حدث بعض التغيير في اساليب العمل وتطبيقه الا ان الهيكل الاساسي لم يتبدل بل على العكس فكل رئيس يعمل على توسيع اعمال الوكالة لان الرؤساء الامريكيين يحبون الوكالة لانها تقوم بالاعمال القذرة التي يريد الرئيس انجازها دون ان تكون معرفته بها بحاجة لتبريرها امام الشعب وبوسعه ان ينكر معرفته بها او تحمل مسؤوليتها في حال فشل المهمة.

لقد قدم المؤلف كتاباً قيماً تضمن معلومات على جانب كبير من الاهمية لم تكن معروفة من قبل غير تلك التي عرضناها، وبين باسلوبه الممتع الرصين ان الاساليب التي تنتجها الوكالة مرتبطة بالاسباب السياسية التي من اجلها استخدمت، ذلك ان الاعمال القذرة ضرورية للمحافظة على مصالح الامبريالية الامريكية في الداخل والخارج، ان ما تهدف اليه المهمات التي تكلف بها الوكالة هو تقوية مراكز القوى ومنع احداث التغيير الاجتماعي ومساندة الحكومات القاسية.

باختصار، لقد قدم المؤلف عبد القادر ياسين كتابا جديراً بالقراءة، وحبذا لو قام بترجمته بنفسه الى العربية لاتاحة الفرصة للقراء العرب للاطلاع عليه، فهو من ذلك النوع من الكتب التي توقظ الذهن وتشحذ التفكير وتستفز عقل القاري.

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here