أرقام فاسدة وأخرى راكدة

0
92

 

ورقة ووقلم

 

كتب /  كاظم فنجان الحمامي …

موضوعنا هذه المرة لا علاقة له باستعراض تداعيات الفساد بلغة الأرقام، ولا علاقة له بالبيانات الرقمية الخادعة، ولا ببيانات الحكومات الرقمية الافتراضية، التي رسمت صورة الألفية الثالثة عبر شبكات المنظومات المعلوماتية العملاقة، ولا علاقة له بالأرقام الفلكية التي وصلت إليها أرصدة دهاقنة الفساد والإفساد في البنوك الدولية.

 

كثيراً ما يقولون: إن لغة الأرقام لا تكذب. وعلى وجه الخصوص في المساجلات والمناظرات، فكفة الغلبة تُرجح دائماً للذين يتحدثون بها. لكننا سنتحدث هنا عن الذين رقصوا على مآسينا، وضحكوا علينا، عندما كتبوا أرقام خطوط الشكاوى، ونشروها بلافتات كبيرة ملونة، تزينت بها واجهات مؤسساتهم.

 

لافتات تقول: (أعرف حقك وطالب به)، أو: (أتصل على الأرقام التالية وأشرح مشكلتك للسيد المدير)، أو: (هذه أرقام خطوطنا لتلقي اتصالاتك أو مقترحاتك)، أو: (نحن في خدمتك، فقط أتصل بنا من أجل ضمان راحتك).

 

لكنك ما أن تحاول الاتصال حتى تجد الأرقام كلها راكدة، أو مشغولة، أو لا تعمل، أو خارج التغطية، أو لم تعد مُستخدمة. أحيانا يُجيبك العاملون في مكتب الشكاوي بلهجة فوقية متعالية، ليباشروا تحقيقهم معك، وكأنك أنت المذنب، وأنت الذي انتهكت الحقوق، وخالفت القوانين. يطاردونك بمدافع أسئلتهم التي لا تهدأ ولا تنقطع. يسألونك: (مَنْ أنت ؟، وأين تسكن ؟، أين تعمل ؟، وما الذي أزعجك في أداء مؤسستنا ؟، ومن الذي حرضك علينا ؟، هل أنت من أبناء المحافظة أو من خارجها ؟، هل أنت من موظفينا أو من المتطفلين علينا ؟، ما الذي تريده منا ؟، ولماذا تزعجنا بهذه الاتهامات الباطلة ؟)، وقد يسألونك عن الحزب الذي تنتمي إليه، أو الطائفة أو العشيرة التي تنتمي إليها، أو يطلبوا مثولك أمام أعينهم بعبارات حديدية صارمة.

 

هذا هو ملخص الحوار التخويفي العقيم، الذي يدور بينك وبين الطرف الآخر بمجرد محاولتك الاتصال بتلك الأرقام، التي تتظاهر بالنزاهة الرقمية في بعض المؤسسات الفاسدة. الاستثناء الوحيد تجده بشق الأنفس في المؤسسات غير الربحية، أو في بعض الأقسام الخدمية، وليس كلها، وعبثا تحاول الافلات منهم، أو غلق السكة بوجوههم، لأنهم سيتصلون بك إن عاجلاً أو آجلاً، وستلقى منهم ما لا يسرك، وتسمع منهم ما لا يخطر على بالك. وعلى وجه العموم تنتهي معظم اتصالاتك بهذه الرسالة: (سوف نتأكد من صحة كلامك، وبخلاف ذلك فأننا سنلاحقك، ونقاضيك أمام المحاكم المختصة). ربما تتحول بعض اجاباتهم إلى كابوس مرعب يطاردك حيثما كنت، ويزرع في قلبك الخوف كلما اقتربت من تلك الأرقام المحضورة، التي علقوها ونشروها في كل مكان، من أجل ذر الرماد في العيون، أو من أجل الضحك علينا باعتبارنا من الكائنات الطيبة الساذجة، التي اعتادت على تصديق أكاذيبهم وألاعيبهم. (فالقطط المغمضة تحب خنّاقها).

 

 

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here