الازمة المالية.. الحلول متوفرة.. ونحن الحاجز

0
151

 

قلم وورقة

كتب /  عادل عبد المهدي …

 

كشف تراجع اسعار النفط عن هشاشة نظامنا الاقتصادي.. فعندما قبلنا الاعتماد كلياً على النفط، فاننا قبلنا تعريض انفسنا لمخاطر جسيمة كما يحصل الان.. وهذا النهج يتحمل مسؤوليته الحكام والشعب على حد سواء.. فالعمل في الدولة والوظيفة وضماناتها وامتيازاتها وتقاعدها اسهل واكثر مردوداً من العمل في الارض والمعمل والشركة والمهنة والخدمة الحرة. فتراجع كل شيء لمصلحة النفط والقطاع العام.. لذلك عندما يتراجع الاخير ايضاً، كما يحصل الان، فان التشاؤم والاحباط سيسودان.. فكثر الكلام اليوم ان البلاد قد تواجه الافلاس!! وان الدولة لن تكون قادرة على سداد رواتب الموظفين وغيرها من مقولات تعكس ابعاد الازمة، لكنها لا تعكس واقع البلاد، وامكانياتها، وما تمتلكه من موجودات وفرص تسمح -ولا شك- على تجاوز الازمة والخروج منها.

يقول تشرتشل Success consists of going from failure to failure without loss of enthusiasm “النجاح هو المرور من فشل الى اخر دون فقدان الحماس (للنجاح)”.. بل ان البلاد قادرة –ان احسن ادارة الازمة- على تحويلها الى حركة اصلاحات جذرية تنهي احادية الاقتصاد، وتعيد للدولة والمجتمع دورهما وقوتهما.. دولة قوية تستمد قوتها من قوة المجتمع ونشاطاته وليس دولة مستقوية على المجتمع، محتكرة لحقوقه.

يكمن النجاح اليوم في استثمار طاقات البلاد الكبيرة في شتى المجالات، والتي يراها الاجنبي –للاسف- ولا نراها نحن.. والتي لا يمنع من استثمارها سوى ما تحجرت عليه عقولنا من تشريعات وممارسات وتعليمات وضوابط، هي نتاج سيطرة الدولة الريعية الاحتكارية المغلقة. فنحن كمن “يستجير بالرمضاء من النار” كما يقول المثل.. فالبلاد تحتاج اليوم الى روحيات النجاح وليس الفشل.. والانطلاق وليس الكبح.. وسلوكيات التشجيع والتحفيز ومنح الفرص واطلاق المسارات وفتح الابواب.. بينما نغرق اكثر فاكثر في امزجة اليأس والضياع وفقدان المبادرة، وسلوكيات المنع والعقوبة وغلق المسارات وقتل المحاولات، متشبثين اكثر فاكثر بتشريعات وقوانين وضوابط وتعليمات ومفاهيم اكل الدهر عليها وشرب، تنتمي لمفاهيم الدولة الريعية التي هي سر هذه الازمة وغيرها من ازمات. فصارت هذه القيود والتعطيلات والممنوعات مرجعية لسياقات العمل والتفكير، واسلوباً للمتابعة والمساءلة والمحاسبة.. بل صارت احدى وسائل الابتزاز واشاعة الخوف والتردد وعدم تحمل المسؤوليات. فالاخطاء الطبيعية والمبررة الملازمة لاي عمل تتحول الى جرائم وعقوبات.. بل اصبح البعض يحاكم الاجتهادات المناسبة لظروف المكان والزمان، فتحاكم في ظرف اخر ومن منطلقات اخرى، بل تحاكم احياناً دون معرفة وخبرة ومهنية.. مما يعطل الاعمال.. ويجعل عدم الاجتهاد والتصدي وتحمل المسؤولية الملجأ لعقلية سادت البلاد طوال العقود الماضية، وتعمقت اليوم بسبب هذه الفوضى في السياقات والمرجعيات والتجاوزات، دون ان ندرك ان هذا هو الفساد الاعظم، والتعطيل الاكبر والازمة الاخطر.

يشجع ذلك كله.. ان معظم القوى السياسية وكثير من المسؤولين يضعون في اولياتهم متطلبات الموقع اكثر من متطلبات الاصلاح، وكسب الجمهور قبل كسب المواقف وانجاح الخطط التي تخدم الصالح العام.. ووسيلتهم، في احيان كثيرة، الاجراءات السلطوية ومناهج التهديد والعقوبة التي تنامت في رحم الدولة منذ عقود، قبل الاجراءات والسياسات الصحيحة والايجابية والتشجيعية والبناءة والوقائية والعقلائية والتحررية التي تسمح للبلاد بالانطلاق والانتقال الجدي والشجاع نحو افاق المستقبل. ويفضلون الخطاب المبسط الساذج الذي اعتاد الناس سماعه والذي يدغدغ عواطف الساعة، على حساب خطاب الصعوبات والمهام والتعقيدات والمخاطر والحلول الطويلة الراسخة لسياسات راسخة ومستدامة.. لهذا يرد عن نابليون قوله: “هدف السياسيين الانتخابات، وهدف القادة الاصلاح”. ويقول غيره “هدف السياسيين الحاضر وهدف القادة الاجيال”.

 

 

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here